أبي الفرج الأصفهاني
298
الأغاني
5 - أخبار محمد بن الحارث بن بسخنّر نسبه وبعض أخباره هو محمد بن الحارث بن بسخنّر ، ويكنى أبا جعفر . وهم ، فيما يزعمون ، موالي المنصور . وأحسبه ولاء خدمة ولا ولاء عتق . وأصلهم من الرّيّ . وكان محمد يزعم أنّه من ولد بهرام جوبين [ 1 ] . وولد محمد بالحيرة [ 2 ] . وكان يغنّي مرتجلا ، إلا أنّ أصل ما غنّى عليه المعزفة ، وكانت تحمل معه إلى دار الخليفة . فمرّ غلامه بها يوما ، فقال قوم كانوا جلوسا على الطريق : مع هذا الغلام مصيدة الفأر ، وقال بعضهم : لا ، بل هي [ 3 ] معزفة محمد بن الحارث . فحلف يومئذ بالطَّلاق والعتاق / ألَّا يغنّي بمعزفة أبدا أنفة من أن تشتبه [ 4 ] آلة يغنّي بها بمصيدة الفأر . وكان محمد أحسن خلق اللَّه تعالى أداء وأسرعه أخذا للغناء ، وكان لأبيه الحارث بن بسخنّر جوار محسنات . وكان إسحاق يرضاهنّ ويأمرهنّ أن يطرحن على جواريه . وقال يوما للمأمون وقد غنّى مخارق بين يديه صوتا فآلتاث [ 5 ] غناؤه فيه وجاء به مضطربا ، فقال إسحاق للمأمون : يا أمير المؤمنين ، إن مخارقا قد أعجبه صوته وساء أداؤه في غنائه ، فمره بملازمة جواري الحارث بن بسخنّر حتى يعود إلى ما تريد . هو أفضل من أخذ عن إسحاق أصواتا أخبرني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللَّه الهشاميّ [ 6 ] قال : سمعت إسحاق [ 7 ] بن إبراهيم بن مصعب يقول للواثق : قال لي إسحاق بن إبراهيم الموصليّ : ما قدر أحد قطَّ أن يأخذ منّي صوتا مستويا إلَّا محمد بن الحارث بن بسخنّر ؛ / فإنّه أخذ منّي عدّة أصوات كما أغنّيها . ثم لم نلبث أن دخل علينا محمد بن الحارث . فقال له الواثق : حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن إسحاق الموصليّ فيك بكذا وكذا . فقال : قد قال إسحاق ذاك لي مرّات . فقال له الواثق : فأي شيء أخذت من صنعته أحسن عندك ؟ فقال : هو يزعم أنه لم يأخذ منه أحد قطَّ هذا الصوت كما أخذته منه :
--> [ 1 ] في أكثر الأصول : « إبراهيم جوهر » والصواب في ط . وبهرام جوبين من ملوك الفرس ، كان في أواخر القرن السادس الميلادي . [ 2 ] كذا في ط ، ح . وفي سائر الأصول : « بالكوفة بل بالحيرة » . [ 3 ] عبارة ط ، ح : « لا هذه معزّفة » . [ 4 ] في ط : « تشبه » . وفي ب ، س : « تشتبه بآلة » تحريف . [ 5 ] آلتاث هنا : اختلط . [ 6 ] في أكثر الأصول « الهاشمي » والصواب من ط . [ 7 ] إسحاق بن إبراهيم المصبغي هذا كان حاكم بغداد في عهد المأمون والمعتصم والواثق . ( انظر كتاب « التاج للجاحظ » ص 31 ) .